علي محمد علي دخيل

372

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

ويحترق بنارها مَذْمُوماً ملوما مَدْحُوراً مبعدا من رحمة اللّه وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ أي ومن أراد خير الآخرة ، ونعيم الجنة وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ أي فعل الطاعات ، وتجنب المعاصي وهو مع ذلك مصدق بتوحيد اللّه تعالى ، مقرّ بأنبيائه فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً يضاعف حسناتهم ، ويتجاوز عن سيئاتهم كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ أي كل واحد من هذين الفريقين ممن يريد الدنيا وممن يريد الآخرة نمدهم : أي نزيدهم مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ أي نعمة ربك ورزقه وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً معناه : وما كان رزق ربك محبوسا عن الكافر لكفره ، ولا عن الفاسق لفسقه انْظُرْ يا محمد كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ بأن جعلنا بعضهم أغنياء وبعضهم فقراء ، وبعضهم موالي وبعضهم عبيدا ، وبعضهم أصحاء وبعضهم مرضى ، على حسب ما علمناه من المصالح وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا أي درجاتها ومراتبها أعلى وأفضل وهي مستحقة على قدر الأعمال ، فينبغي أن تكون رغبتهم في الآخرة وسعيهم لها أكثر ، وقد روي أن ما بين أعلى درجات الجنة وأسفلها ما بين السماء والأرض لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ معناه : لا تجعل أيها الإنسان مع اللّه إلها آخر في اعتقادك وإقرارك ، ولا في عبادتك ، ولا في رغبتك ورهبتك فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا معناه : فإنك إن فعلت ذلك قعدت وبقيت ما عشت مذموما على لسان العقلاء ، مخذولا ولا ناصر لك ، يمنع اللّه نصرته عنك ، ويكلك إلى ما أشركت به ، وقيل : معنى القعود الذل والخزي والخسران والعجز . 23 - 25 - لمّا تقدّم النهي عن الشرك والمعاصي عقّب سبحانه بالأمر بالتوحيد والطاعات فقال سبحانه وَقَضى رَبُّكَ أي أمر ربك أمرا باتا أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ معناه : أن تعبدوه ولا تعبدوا غيره وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً أي أوصى بالوالدين إحسانا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما يعني به الكبر في السن والمعنى : إن عاشا عندك أيها الإنسان المخاطب حتى يكبرا ، أو عاش أحدهما حتى يكبر ، يريد ان بلغا في السن مبلغا يصيران بمنزلة الطفل الذي يحتاج إلى متعهد ، وخصّ حال الكبر وإن كان من الواجب طاعة الوالدين على كل حال ، لأن الحاجة أكثر في تلك الحال إلى التعهد والخدمة فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ عن أبي عبد اللّه ( ع ) قال : أدنى العقوق أف ، ولو علم اللّه شيئا أيسر منه وأهون منه لنهى عنه ، و في خبر آخر : فليعمل العاق ما يشاء أن يعمل فلن يدخل الجنة ، فالمعنى : لا تؤذيهما بقليل ولا كثير وَلا تَنْهَرْهُما أي لا تزجرهما باغلاظ وصياح وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً أي وخاطبهما بقول رقيق لطيف ، حسن جميل ، بعيد عن اللغو والقبيح ، يكون فيه كرامة لهما وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ أي وبالغ في التواضع والخضوع لهما قولا وفعلا برا بهما ، وشفقة عليهما ، والمراد بالذل هاهنا اللين والتواضع دون الهوان من خفض الطائر جناحه إذا ضم فرخه إليه ، فكأنه سبحانه قال : ضم أبويك إلى نفسك كما كانا يفعلان بك وأنت صغير وقال أبو عبد اللّه ( ع ) معناه : لا تملأ عينيك من النظر إليهما إلّا برأفة ورحمة ، ولا ترفع صوتك فوق أصواتهما ، ولا يديك فوق أيديهما ، ولا تتقدم قدامهما وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً معناه : ادع لهما بالمغفرة والرحمة في حياتهما وبعد مماتهما جزاء لتربيتهما إياك في صباك وذكر حال الكبر لأنهما أحوج في تلك الحال إلى البر لضعفهما ، وكونهما كلّا على الولد رَبُّكُمْ أَعْلَمُ أي أكثر معلوما بِما فِي نُفُوسِكُمْ معناه : انه أعلم بجميع ما في ضمائركم إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ أي طائعين للّه فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً والأواب : التواب المتعبد الراجع عن ذنبه ، وقيل : ان الأوابين المطيعون المحسنون عن قتادة ، وقيل : هم الراجعون إلى اللّه فيما ينوبهم عن ابن عباس .